صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







خريطة أثيوبيا من الهضبة إلى الإمبراطورية
التاريخ العالمي والإسلامي




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games التاريخ العالمي والإسلامي|الأرشيف|الرئيسية






***

خريطة أثيوبيا من الهضبة إلى الإمبراطورية



بين عطاء حضارتنا وحملات حقدهم ! - خريطة أثيوبيا من الهضبة إلى الإمبراطورية - تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه((الجزء 1))
التاريخ العالمي والإسلامي|الأرشيف|الرئيسية
****


خريطة أثيوبيا من الهضبة إلى الإمبراطورية


"أثيوبيا-الهضبة" هي النواة التاريخية لأثيوبيا المعاصرة بقلعتها الجبلية في أمهرة وجوجام. ولقد تضافرت مجموعة من العوامل الجغرافية على الإبقاء عليها كوحدة سياسية مستقلة طوال معظم فترات التاريخ، وشكلت مجتمعاً قومياً في هذا الموقع الجغرافي المنيع والبعيد عن السواحل. واستطاع الأثيوبيون بطبيعتهم الجبلية، مقاومة الغزو وتطوير حضارتهم تطويراً داخلياً بإيجاد علاقة "أيكولوجية" قوية بين السكان والأرض، مفصلين هذا على الاحتكاك بالسواحل، وما يمكن أن يُجنى من ورائه من ربح تجاري، قد يضيع معه استقلالهم القومي. وقد قوّى هذا الاستقلال موقع "أثيوبيا-الهضبة" كجزيرة مسيحية حافظت على مسيحيتها منذ عام 330م وسط محيط إسلامي، بعد أن نشر العرب الإسلام في كل ما يجاورها من أقاليم.
في البداية كانت "أثوبيا-الهضبة" مجتمعاً خلاسياً متجانساً، أفرزت مكوناته الع رقية والثقافية والدينية المختلفة شعوباً ثلاثة معروفة، هي: الأمهرا والتيغران والغلا، التي عاشت في المرتفعات حول بحيرة تانا من جنوب أديس أبابا إلى شمال غندار. وتميز تاريخ مملكة "أثيوبيا الهضبة" بالاستمرارية طوال ثلاثة آلاف سنة، ولم يقطع هذا التاريخ إلا سقوط هذه المملكة في النصف الأول من القرن السادس عشر (1506 – 1543) إثر حملات القبائل والشعوب المسلمة تحت قيادة الإمام أحمد حمران (أحمد جوري)، والتي لم تتوقف إلا بتأثير التحالف الأثيوبي البرتغالي.
ثم بدأت مملكة "أثيوبيا الهضبة" تنمو وتتوسع على حساب السلطنات والإمارات والشعوب الإسلامية والوثنية في الجنوب والجنوب الشرقي. وخلال حكم الإمبراطور منليك (1889-1913)، اكتملت صورة الخريطة السياسية لأثيوبيا المعاصرة، فيما عدا الوضع الخاص بأرتيريا، التي ضُمّت لأثيوبيا فيدرالياً عام 1952، ثم "وحدوياً" عام 1962.
وهكذا يمكن القول أن "أثيوبيا الهضبة" بقوميتها، وإن كانت أقدم استقلالاً، فإن "أثوبيا الإمبراطورية" المتعددة القوميات والأجناس واللغات، هي أحدث تكويناً، والمناطق المتنازع عليها حالياً هي وليدة أحداث التكالب الاستعماري في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، وهي ال أحداث التي دفعت "أثيوبيا الهضبة" إلى الاحتكاك المباشر بالقوى الأوروبية "المتكالبة" على القرن الإفريقي وبالدول والشعوب المجاورة لها، واستطاعت أثوبيا أن تقاسم تلك القوى السيطرة على القرن الإفريقي، وتشارك في رسم حدوده السياسية. ولم يكن ثمة اعتبار يذكر لمبدأ القوميات، أو حق تقرير المصير في رسم تلك الحدود، ولذا لم تحظ حدوده أثوبيا بالاعتراف الكامل والمتبادل بينها وبين جيرانها، ما عدا حدودها مع كل من السودان وكينيا وجيبوتي. وهذا ما يفسر تفجر الصراعات والنزاعات الحدودية بين الصومال وأثيوبيا من جهة، واندلاع الثورة الأرتيرية من جهة ثانية.


خريطة المرحلة الأولى (1882 – 1913):

تبدأ هذه المرحلة ببداية التوسع الإيطالي في أرتيريا عام 1882، وتنتهي بوفاة منليك الثان الذي اكتملت في عهده صورة الخريطة السياسية لأرتيريا المعاصرة، فيما عدا الوضع الخاص بأرتيريا.
وفيما بين هذين التاريخين شهدت المنطقة فرض الحماية البريطانية على الصومال عام 1884، وانسحاب مصر من المنطقة، وقيام الصومال الإيطالي في 20 أيار-مايو 1889 وإعلان أرتيريا مستعمرة إيطالية عام 1890، وقيام الصومال البريطاني عام 1897. هذا فضلاً عن النزاع الأثيوبي الإيطالي، خاصة حول أوغادين وهود. وهنا لابد من التعرف على ملابسات تلك الأحداث.
كان التوسع الإيطالي في أرتيريا قد بدأ منذ 5 تموز-يوليو 1882 رغم أن بريطانيا كانت قد عقدت مع مصر في 7 أيلول-سبتمبر 1877 معاهدة اعترفت فيها بسيادة مصر على كل سواحل الصومال حتى رأس جافون. وبدأت إيطاليا أولاً بوضع يدها على عصب، ثم أسرعت بمدّ سلطنها شمالاً وجنوباً
\\\\، فاحتلت بيلول في 25 كانون الثاني-يناير 1885، بعد انسحاب المصريين منها، واحتلت مصوع في 25 شباط-فبراير 1885 قبل أن تنسحب القوات المصرية، ثم أعلنت في 25 تموز-يوليو السيادة الإيطالية على مصوع. وتوغلت القوات الإيطالية في الأراضي الداخلية فيما يلي مصوع غرباً، واستولت على زولا، كما مدت سلطانها شمالاً حتى أصبحت على بعد 100 ميل جنوبي شرقي سواكن. وفي الجنوب أصبحت المناطق الإيطالية منافسة للمستعمرات الفرنسية في أوبوك ومقابلة لباب ا لمندب. وبهذه الطريقة احتلت إيطاليا ما يقرب من 650 ميلاً من ساحل البحر الأحمر، بالإضافة إلى الموانئ الهامة وفي مقدمتها مصوع، وهكذا استطاع الإيطاليون إنشاء مستعمرة لهم في أرتيريا بتشجيع من بريطانيا.
وبينما كانت إيطاليا توسع في أرتيريا، واصلت "أثيوبيا-الهضبة" عملياتها التوسعية شرقاً. وكاغن منليك الثاني (ملك شوا آنذاك) قد بدأ حملاته التوسعية فيما بين 1871 و1876 ضد قبائل الوالوغالا، كما قام بغزو إمارة هرر في 26 كانون الثاني-يناير 1887، والاستيلاء على البلاد عنوة بمساعدة الإيطاليين، ثم ضمت أثوبيا منطقة أوغادين عام 1889، بعد أن اشتركت مع القوات البريطانية في إخماد الثورة المهدية في السودان، وضمت أثوبيا أيضاً الأراضي المحجوزة ومنطقة هرر، وتأكد هذا الضم برضاء بريطانيا في معاهدة 1897 التي تم بموجبها تعيين الحدود بين الصومال البريطاني وأثيوبيا.
تم هذا التوسع الأثيوبي حتى عام 1889 بتشجيع من بريطانيا وبمساعدة إيطالية لارتباط هاتين الدولتين بحد أدنى من المصالح المتبادلة، فبريطانيا، في منافستها مع فرنسا في المنطقة، جذبت إيطاليا إلى صفها، وفي محاولة تثبيت وجودها بالسودان أم الثورة المهدية، أمنت حدود السودان الشرقية لص الحها. أما أثيوبيا فقد غضت الطرف عن التوسع الإيطالي في أرتيريا نظراً لتحديد الانقسام الداخلي بين الأمراء والنبلاء والأسر الكبرى في الأقاليم، وبين السلطة المركزية، هذا فضلاً عن تحديدات التهديد الإسلامي التقليدي المجاور لأثيوبيا. وأما انشغال السلطة المركزية في أثيوبيا بهذه التحديات الداخلية والخارجية، أخذ الإيطاليون زمام المبادرة عام 1889 فتحركوا جنوب أثيوبيا نفسها، ونتيجة للضغوط الإيطالية على أثيوبيا تم توقيع معاهدة "أوتشيالي" الشهيرة في 2 أيار-مايو-أيار 1889، وهي المعاهدة التي اختلفت صياغة نسختها "الإيطالية" عن نسختها "الأمهرية"؛ حيث أظهرت النسخة الإيطالية أثيوبيا في وضع "المحمية الإيطالية"، وفي الشهر نفسه أبلغت إيطاليا الدول بسط حمايتها على بلاد الصومال الواقعة بين الصومال الإنكليزي وأراضي سلطان زنجبار، ثم أعلنت في 15 تشرين الثاني-نوفمبر-نوفمبر-نوفمبر 1889 حمايتها على الساحل الشرقي لأفريقيا الممتد من الحدود الشمالية لقسمايو حتى نهاية سلطنة "أويا"،وأسست عام 1890 "الشركة الإيطالية لشرق أفريقيا" لإدارة المناطق الممتدة من رأس بدوين إلى قرب نهر جوبا.
وفي 24 آذار-مارس 1891 تم توقيع اتفاقية إيطالية بريطانية حُد دت فيها مناطق النفوذ الإيطالي من النيل الأزرق حتى سواحل البحر الأحمر. ثم سعت إيطاليا للحصول على عقد امتياز يضمن المصالح الإيطالية والنفوذ البريطاني في موانئ سلطان زنجبار في 12 آب-أغسطس، وبموجب هذا العقد منحت حكومة زنجبار الحكومة الإيطالية حق إدارة مدن وموانئ: ابراوة، بركا، مقديشيو، والمناطق المحيطة، في حدود عشرة أميال باسم سلطان زنجبار، ولمدة 25 سنة قابلة للتجديد. وهكذا آلت إدارة هذه الجهات من شرق أفريقيا لإيطاليا، وظلت تديرها حتى الحرب العالمية الثانية.
وفي عام 1894 توصلت بريطانيا وإيطاليا إلى اتفاق مشترك بشأن الحدود بين أراضي الصومال الخضعة لهما، فسيطرت بريطانيا على هود، وإيطاليا على الأوغادين، دون أن تستشير أي منهما الأثيوبيين أو الصوماليين في هذا الاتفاق الذي خلق تحديداً واستفزازاً للطرفين الأثيوبي والصومالي.
ولعل هذا الاتفاق كان من بواعث التحرك الأثيوبي لمواجهة التوسع الإيطالي، بعد دعم السلطة المركزية في أديس أبابا، وسقوط الثورة المهدية على الحدود. وكان الإمبراطور منليك الثاني قد انتقد ما جاء بالنسخة الإيطالية لمعاهدة أوتشيالي في محاولة لاستغلال هذا التحدي الخارجي في تجميع وتوحيد الأثيوبيين. وشهد عام 1895 انهيار العلاقات الأثيوبية الإيطالية، وسرعان ما نشبت المواجهة المسلحة بينهما في أمبا الأجي في كانون الأول-ديسمبر 1895، وفي موقعة "عدوة" الشهيرة التي جرت في آذار-مارس 1896 هُزمت القوات الإيطالية بقيادة الجنبرال باراتيري بعد ثلاثة أيام من القتال.
وكان هذا النصر الأثيوبي من الأهمية بمكان في تاريخ أثيوبيا والقارة الأفريقية، فقد حافظت الإمبراطورية على استقلالها وسيادتها رغم التوسع الإيطالي، كما أكدت "الوقعة" للشعوب الأفريقية أن القوة العسكرية الأوروبية –الأقوى تسليحاً- من الممكن مقاومتها بنجاح.
أما بالنسبة لإيطاليا فقد كانت "عدوة" بمثابة كارثة عسكرية عليها؛ إذ أجبرتها على نبذ سياسة التوسع الاستعماري لمدة طويلة حتى قيام موسوليني بغزو أثيوبيا عام 1935.
ولذا فقد شهدت السنوات التالية لموقعة "عدوة" اتفاقات بين القوى المتصارعة في القرن الإفريقي لتعيين الحدود.
وكانت أول هذه الاتفاقات معاهدة الصلح بين أثيوبيا وإيطاليا في 26 تشرين الأول-أكتوبر 1896، التي أنهت الحرب بينهما، ونصت على إلغاء معاهدة أوتشيالي، واعترفت باستقلال أثيوبيا، ورسمت بموجبها الحدود بين أرتيريا وأثيوبيا.
وفي كانون الأول-ديسمبر 1906 عقد الاتفاق الثلاثي "الإيطالي البريطاني الفرنسي" بهدف المحافظة على الوضع الراهن في أثيوبيا من الناحيتين السياسية والإقليمية، كما حددته الاتفاقات السابقة بين الدول لثلاث، وإذا ما طرأ أي إخلال بالوضع القائم تعهدت الدول الموقعة بأن تبذل وسعها للمحافظة على المصالح الأثيوبية بالإضافة إلى مصالح كل من بريطانيا ومصر وفرنسا من المناطق المحددة لكل منها، وكذا مصالح إيطاليا فيما يختص بأرتيريا والصومال. ويبدو أن هذا الاتفاق الثلاثي لم يوضع بغرض المحافظة على استقلال أثيوبيا بقدر تلافي تصادم الدول الثلاث في حالة انهيار أثيوبيا بعد منليك الثاني.
وفي 16 أيار-مايو 1908 أبرمت معاهدة أثيوبية إيطالية، نصت على أن خط الحدود يجب أن يمر إلى الشمال الغربي من نهر شبيلي، بحيث تقع كل أراضي القبائل الساحلة ضمن النفوذ الإيطالي في حين يقع إقليم أوغادين ضمن أثيوبيا، وهذه الحدود الجديدة وسعت من ممتلكات إيطاليا أكثر مما أعطاها خط منليك. وبدأت لجنة إيطالية أثيوبية تحديد الخط عام 1910 ولكنها لم نتصادف نجاحاً كبيراً لعدم اتفاق الطرفين على حدود القبائل.


ثانياً: خريطة المرحل ة الثانية (1914 – 1954):

بموت منليك الثاني عام 1913 ونشوب الحرب العالمية الأولى في العام التالي، تبدأ المرحلة الثانية من تقلبات الحدود في خريطة القرن الأفريقي، وتمتد إلى منتصف الخمسينات. وبين بداية هذه المرحلة ونهايتها (1914 – 1954) شهدت خريطة القرن الأفريقي أبرز أحداثها، ابتداءً من توقيع معاهدة الصداقة الإيطالية الأثيوبية عام 1928، إلى الغزو والاحتلال الإيطالي لأثيوبيا بين عام 1935 و1941، تم سيطرة بريطانيا كلياً على الأقاليم الصومالية التي كانت موضع ادعاءات بين القوى المتصارعة (البريطانية، الإيطالية، الأثيوبية)، وهي تشكل 90% من الأقاليم التي يسكنها الصوماليون في القرن الأفريقي فيما عدا جيبوتي. وكان هذا يعني في المقام الأول انكماش أثيوبيا في هضبتها مرة أخرى، طوال السنوات (1935 – 1954) بعد التوسع الذي تحقق في عهد منليك الثاني.
خلف منليك على العرش ليج ياسو إلا أنه خلع عام 1916 لتحالفه مع ألمانيا في الحربالعالمية الأولى، ونصبت زوديتو ابنة منليك إمبراطورة، وعُين الرأس تافري ماكونن وصياً على العرش. وبعد وفاة الإمبراطورة وفي 3 نيسان-أبريل عام 19 30، اعتلى العرش الإمبراطور هيلاسيلاسي.
ولقد استهدفت إيطاليا، بتوقيع معاهدة الصداقة مع أثيوبيا في 2 آب-أغسطس 1928 (ومدتها 20 سنة)، زيادة نفوذها داخل أثيوبيا نفسها، فالمعاهدة تعترف صراحة بأولوية المصالح الاقتصادية الإيطالية في أثيوبيا، إلا أن الأثيوبيين وقفوا دائماً ضد كل محاولات امتداد النفوذ الإيطالي، وذلك بتحديد حجم التجارة المتبادلة، وتفضيل خبراء الدول الأخرى على الخبراء الإيطاليين.
كان الغزو الإيطالي لأثيوبيا في منتصف الثلاثينات هو قمة المواجهة الأثيوبية الإيطالية، بعد أن بات واضحاً أن القوى الأوروبية الرئيسية لم تعارض التحرك الإيطالي في القرن الأفريقي الذي بدأ بمعركة وال في آب-أغسطس 1934، واستطاع موسوليني -برغم المقاومة الأثيوبية- أن يعلن ضم أثيوبيا إلى إيطاليا في أول مايو 1936، ودمج منطقة أوغادية في الصومال الإيطالي، وعندئذ فر الإمبراطور هيلاسيلاسي إلى المنفى في أوربا، ووجه دعوته الشهيرة إلى عصبة الأمم لمؤازرته.
وبقيام الحرب العالمية الثانية ورجحان كفة الحلفاء، انهزمت إيطاليا في أثيوبيا أمام القوات البريطانية التي دخلت أديس أبابا عام 1941، ووضعت أوغادين تحت الإدارة العسكرية البريطانية، وسرعان م ا خضعت أراضي الصوماليين -ما عدا جيبوتي- لنظام حكم واحد هو الاحتلال العسكري البريطاني، وكان هذا من العوامل المباشرة التي أيقظت المشاعر القومية لدى الصوماليين جميعاً، بصرف النظر عن تعدد انتماءاتهم الرسمية إلى مختلف الدول في المنطقة.
أسفرت المفاوضات البريطانية الأثيوبية أثناء الحرب عن عقد اتفاقية 31 كانون الثاني-يناير 1943 التي نصت على اعتبار منطقة أوغادية جزءاً منفصلاً عن أثيوبيا، تتولى القوات البريطانية العسكرية إدارتها، وقد جددت هذه الاتفاقية في 19 كانون الأول-ديسمبر 1944 ونصت على أن الاحتلال العسكرى البريطاني لها لفترة 10 سنوات أخرى تتخلى بعدها بريطانيا نهائياً عنها لأثيوبيا.
حاولت بريطانيا أن تستغل فكرة "الصومال الكبير" لكي تبسط نفوذها عليه، ومن هنا جاء اقتراح أرنست بيفن، وزير الخارجية البريطاني عام 1946، بتجميع كل الأقاليم التي يسكنها صوماليون ووضعها تحت الوصاية البريطانية، إلا أن هذا الاتجاه لاقى معارضة شديدة من جانب القوى الكبرى والصغرى المعادية والحليفة على السواء، وتراوحت المعارضة بين اقتراح فرنسا بعدوة الحكم الإيطالي إلى الصومال الإيطالي، وبين اقتراح الولايات المتحدة بوضع الصومال تحت الوصاية ال دولية.
واستمر الصومال الإيطالي خاضعاً للإدارة العسكرة البريطانية حتى عام 1949، حين منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة إيطاليا حق الوصاية على المنطقة لمدة عشرة أعوام، ابتداء من 2 كانون الأول-ديسمبر 1950، وكانت مهمة إيطاليا التمهيد لاستقلال المنطقة بإشراف مجلس استشاري تابع للأمم المتحدة.
وبسبب امتناع أثيوبيا عن التعاون مع إيطاليا في تعيين الحدود بينها وبين الصومال، قامت بريطانيا، بالاتفاق مع أثيوبيا قبل تسليم الصومال البريطاني إلى الإدارة الإيطالية، برسم خط الحدود بين الصومال وأثيوبيا وأسمته الخط الإداري المؤقت، ويلتقي بحدود الصومال البريطاني سابقا، عند خط طول 48 شرقاً، وخط عرض 8 شمالاً، وعلى بعد 180 ميلاً نحو الداخل من المحيط الهندي.
وبينما قبلت بريطانيا هذا "الخط" بتحفظات تمكنها من إعادة النظر فيه، فإن أثيوبيا لم تعترف من سنة1950 إلى 1956 بذلك الخط كحدود سياسية دائمة بينها وبين الإقليم الصومالي. أما الصوماليون فقد تمسكوا بخط الطول 47 شرقاً، وخط العرض 8 شمالاً؛ لأن الخط الإداري المؤقت شطر أرض الصومال شطرين وأرغم الكثيرين من الصوماليين ممن كانوا في الصومال الإيطالي السابق على الخضوع إلى الإدارة الأثيوب ية.
وإرضاءً لأثيوبيا وقعت السلطات البريطانية معها في 29 تشرين الثاني-نوفمبر 1954 اتفاقية تعهدت فيها بإنهاء حكمها العسكري في منطقة هود وجزء من منطقة أوغادين، على أن تتولى الحكومة الأثيوبية إدارتها اعتباراً من 28 شباط-فبراير 1955. ورغم ما أكدته هذه الاتفاقية من حق القبائل في المراعي على جانبي الحدود، فقد ثار الصوماليون واحتجوا على وضع جزء من الأراضي الصومالية تحت سيطرة أثيوبيا دون موافقة أهالي البلاد أصحاب الحق الشرعي فيها.


ثالثاً: خريطة المرحلة الثالثة (1955 – 1962):

قبل أن تستعيد أثيوبيا مناطق توسعها السابقة في هود وأوغادين في منتصف الخمسينات، كما أشرنا، استطاعت الدبلوماسية الأثيوبية عام 1952 إلحاق أرتيريا كإقليم إداري لأثيوبيا فيدرالياً ثم حدودياً عام 1962. وهكذا تمكنت أثيوبيا -باعتبارها دولة داخلية- أن تطل على السواحل للمرة الأولى في تاريخها الوسيط والحديث كله. وأصبحت أثيوبيا –الهضبة في نحو مائة عام محاطة بسلسلة من الأقاليم المضمومة الواسعة تحولت إلى دولة مختلطة، تتميز بعنصر خطير في كيانها الجديد، هو التنافر الجنسي واللغوي والديني.
وبهذا تشكلت الخريطة السياسية للإمبراطورية الأثيوبية. ورغم قضايا الحدود، فقد سارعت أثيوبيا عام 1958، بالاتفاق مع إيطاليا، التي تولت الوصاية على الصومال، إلى قبول خط الحدود الإداري المؤقت الذي وضعته بريطانيا عام 1950، على أنه الحد الفاصل بين أثيوبيا وأرض الصومال التي هي تحت الوصاية، وذلك إلى أن تسوى مشكلة الحدود نهائياً.
وباستقلال الصومال (البريطاني والإيطالي) عام 1960، اعتبرت الدولة الجديدة أن واجبها القومي يقتضيها مساعدة الصوماليين عبر الحدود بالتأييد المادي والمعنوي، بينما اعتبرت أثيوبيا وكينيا وفرنسا هذه السياسة من جانب الصومال عملاً عدائياً وتدخلاً في الشئون الداخلية لجاراتها ضد وحدتها الإقليمية.
ولدى تفحص الحدود الصومالية الأثيوبية، نجد أنها حدود غير طبيعية أو بشرية، ولكنها حدود هندسية في معظمها، فهي إما تتبع دوائر العرض أو خطوط الطول (أي أنها فلكية أو خطوط مستقيمة)، مما يرغم الرعاة الصوماليين على تخطيها باستمرار. كانت هذه الأقاليم المضمومة بالقوة أو نتيجة مناورات الدول الكبرى وتكالبها على مناطق النفوذ، بمثابة قنابل موقوتة في جسم ا لإمبراطورية الأثيوبية، ومصادر استنزاف لطاقاتها ومواردها، خاصة في أرتيريا، التي كانت الثورة فيها أحد العوامل الرئيسية في إسقاط نظام هيلاسيلاسي. وبالفعل فقد تحولت الانتفاضة التي قامت بها الفرقة الثانية من الجيش الأثيوبي في أسمرا عاصمة أرتيريا في شهر شباط-فبراير 1974 إلى ثورة سياسية حقيقية، تلاحقت الأحداث على أثرها بسرعة كبيرة. ففي 28 شباط-فبراير 1974 شكل الإمبراطور هيلاسيلاسي حكومة جديدة برئاسة إندالكاتشيو ماكونين. ولكن الوحدات العسكرية المتمردة ألقت القبض على أعضاء الحكومة الجديدة بتهمة سوء الإدارة والرشوة. وفي 22 تموز-يوليو 1974 أجبر ماكونين على الاستقالة، فكلف الإمبراطور ميكائيل أمرو تأليف حكومة جديدة. وفي أول آب-أغسطس أعلن عن دستور جديد للبلاد. وفي منتصف آب-أغسطس حل كل من مجلس التاج، ومحكمة العدل، ولجنة الإمبراطور العسكرية. وفي 12 أيلول-سبتمبر 1974 أعلن العسكريون أن الإمبراطور قد أقصي رسمياً.
في 28 أيلول -سبتمبر 1974 بدأت لجنة تنسيق القوات المسلحة بقيادة منغستو هيلي مريام تعمل من خلال مجلس الإدارة العسكرية الإقليمي "الدرغ" وشغل الجنرال تيفيري بانتي منصب رئيس الدولة والحكومة.
إلا أن المشاكل الكثيرة ال تي واجهت الحكم جعلت منغستو هيلي مريام ينقلب على الجنرال بانتي ومعاونيه في شباط-فبراير 1977 ويعدمهم، ويستولي على رئاسة المجلس العسكري للدولة.
تواجه الدولة حالياً معارضة من اليسار المدني (حزب الميسون) الذي يطالب بعودة فورية إلى الديمقراطية والحكم المدني ومن حزب الشعب الثوري، الماوي الاتجاهات والذي لجأ إلى حرب عصابات داخل المدن، وكذلك من المحافظين في "الاتحاد الديمقراطي الأثيوبي" الذين يرفضون تطبيق الاشتراكية والإصلاح الزراعي.
إضافة إلى ذلك تشهد أثيوبيا عدة حركات ثورية تطالب بالاستقلال الذاتي، وقد اندلعت معظمها، باستثناء الثورة الأرتيرية، بعد الانهيار العام الذي حل بالبلاد على إثر خلع الإمبراطور عام 1974، وتنشط هذه الحركات في إقليم إرتيريا المحتل، وإقليم أوغادين الذي تطالب به الصومال، وإقليم التيغري بوجه خاص.
في كانون الأول-ديسمبر 1977، كان الثوار الأريتريون قد سيطروا على 80% من الإقليم، تاركين جيشاً أثيوبياً محطم المعنويات في مدينة أسمرا وبعض المدن الأخرى.
وفي تموز-يوليو-تموز عام 1977، عزز الصومال ثوار جبهة تحرير الصومال الغربي في أوغادين بقواته النظامية، وفي تشرين الأول-أكتوبر، وبعد معارك ضارية، س يطرت القوات الصوماليةعلى مدينتي جيجيغا وهرر الهامتين وعلى القسم الأعظم من أوغادين. إلا أن المساعدة السوفييتية والكوبية الكثيفة، مكّنت النظام الأثيوبي من استعادة المبادرة في أوغادين واحتلاله من جديد، ومن شن هجوم شامل على بقية الأقاليم المتحررة، ونقل الهجوم إلى أرتيريا ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى نتائج حاسمة.
النظام السياسي: منذ انهيار الحكم الإمبراطوري عام 1974، وأثيوبيا تخضع لحكومة عسكرية مؤقتة، تشرف عليها لجنة عسكرية "الدرغ" وهي تمارس في الواقع السلطة الحقيقية. وتتألف هذه اللجنة من 120 ضابطاً وجندياً، إلا أن هذا العدد أخذ يتقلص تدريجياً بعد سلسلة التصفيات الدموية بين أعضائها، حتى صار في حدود 50 عضواً. وقد انبثقت عن هذه اللجنة هيئة مصغرة، أصبحت تمارس السلطة دون العودة إلى القاعدة، وعلى رأس هذه الهيئة منغستو هيلي مريام، الذي يعتبر حالياً الرجل القوي في السلطة. وقد سن النظام الجديد دستوراً تعتبر أثيوبيا بموجبه دولة اشتراكية. إلا أن العمل به جمد مؤقتاً، كما أن اتحاد العمال القديم قد حل وأنشئ بدلاً منه اتحاد حرفي يخضع لسلطة الحكومة.




***


بين عطاء حضارتنا وحملات حقدهم ! - خريطة أثيوبيا من الهضبة إلى الإمبراطورية - تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه((الجزء 1))
التاريخ العالمي والإسلامي|الأرشيف|الرئيسية


-----




****


--





palmoon tool bar
privacy policy