صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







بــحــــــث حــــــــــول الأدب الأنـدلــســـــي
الطلبات والبحوث الدراسية




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games الطلبات والبحوث الدراسية|الأرشيف|الرئيسية








بــحــــــث حــــــــــول الأدب الأنـدلــســـــي



لائحة اسماء الناجحين - بــحــــــث حــــــــــول الأدب الأنـدلــســـــي - هاااااااااااااااااام جدا
الطلبات والبحوث الدراسية|الأرشيف|الرئيسية


الأدب الأندلسي بقلم:حسين علي الهنداوي

سمات النثر وأعراضه  في العصر الأندلسي

أ‌- مقدمة:

إ ذا كان الأندلسيون قد ترسموا خطا المشارقة في حياتهم الاجتماعية والأدبية ، فمن الطبيعي أن يكون النثر الأندلسي محاكياً لنثر المشارقة من حيث الفنون والأغراض.

إذا أن هؤلاء الأندلسيين لم يكتبوا نثراً ارتقى إلى مستوى النثر العباسي قبل القرن الرابع الهجري , كما أنهم لم يستحدثوا لأنفسهم مذهباً جديداً في الكتابة معتمدين على عدم الإكثار من المحسنات البديعية إلا في عهد ملوك الطوائف , وبقيت الأنواع الأدبية والأغراض الأدبية أسيرة لمنهج المشارقة من حيث استخدام الأمثال والاقتباس من القراءن الكريم , والعناية بالسجع .

ب‌- ومن الأنواع الأدبية التي كتب بها الأندلسيون :

1-الخطابة الأندلسية :

وقد احتل هذا الفن من اللحظة الأولى التي دخل فيها العرب الأندلس مكانة مرموقة، والغرض عند الأندلسين من الخطبة كما هو عند المشارقة يتمثل في إيقاظ نار الحماسة وبث روح الجهاد ، ونشر الدين وإخضاع الأقاليم حيث تمثل الأمراء والحلفاء فصاحة اللغة وعمق البيان واتسمت هذه الخطبة بالسمات التالية:

آ- سهولة العبارة . ب- البعد عن السجع.

ج- الجريان مع الطبع. د- القدرة على التأثير.

هـ- الايجاز والبلاغة. و- وضو ح المعاني.

"الوليد بن عبد الرحمن بن غانم- عبد الله الفخّار- القاضي أبو الحسن منذر بن سعيد البلوطي".

2-فن الترسل الأندلسي:

كما ترسم الأندلسيون خطا المشارقة في الخطابة، حذوا حذوهم في فن الترسل فكتبوا رسائلهم تبعاً للأحوال السياسية والاجتماعية والأدبية وقد برز لديهم نوعان من الرسائل:

الأول: الرسائل الديوانية: وتختص بمكاتبات الملوك والأمراء وما يتعلق بشؤون الخلافة من عزل أو تعيين حاكم أو إصدار مرسوم.

الثاني: الرسائل الأدبية: وقد برع فيها الأندلسيون واحتوت على المناظرات والمناقشات والقصص الخيالية ، ورسائل الاستعطاف والهجاء الساخر ابن زيدون في رسالته (الجدية والهزلية).

وكتب في المناظرات بين السيف والقلم (ابن برد الأصلع، وكتب رسالة (التوابع والزوابع) لابن شهيد.

وأهم ما كتب في الفلسفة (حي ابن يقظان) لابن طفيل.

3- التأليف والتصحيف الأندلسي:

وقد اتسعت أبوابه عندما توفقت ينابيع العلم والثقافة عندما بدأ الأندلسيون يؤطرون للعلوم الطبيعة والفلسفة.

فكتب ابن سيده كتاب (المخصص) في معاني الألفاظ، وكتب الزهراوي في الطب والصيدلة (التنضيف) وصنف ابن حزم (طوق الحمامة) في فلسفة الحب، وكتب لسان الدين بن الخطيب (الإحاطة في تاريخ غرناطة) وكتب الأدريسي في الجغرافيا (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) وابن بسام الأندلسي (الذخيرة في محاسن الجزيرة) وكتب ابن عبد ربه في الأدب (العقد الفريد). وكتب ابن عصفور في فن الصرف.



الفصل الثالث

أبرز أعلام الأدب الأندلسي

إذا كان الأدب الأندلسي فم يعدُ أن يكون امتداداً لأدب المشارقة فإنه قد برز فيه مجموعة من الشعراء والأدباء تركوا أثراً بارزاً في الحياة الثقافية الأندلسية والعربية وبقيت أسماؤهم أعلاماً متميزة كابن هانئ وابن شهيد وابن خفاجة والمعتمد بن عباد ولسان الدين الخطيب.

آ- ابن هانئ:

علمٌ من أعلاف الأدب الأندلسي، ولد في اشبيلية عام (326هـ) وتوفي في مخموراً مقتولاً في المغرب العربي عام (362هـ) ولم يتجاوز السادسة والثلاثين .

كان ميالاً إلى اللهو والمجون والزندقة والتمذهب بمذهب الفلاسفة، التقى بحاكم اشبيلية فأكرمه، ولكن أهلها سخطوا عليه فأشار عليه أميرها بالنزوح لينسى خبره فهاجر إلى المغرب واتصل بجوهر الصقلي قائد المنصور الفاطمي وقرّبه المعز بن المنصور وطلب منه جوهر أن يلتحق بمصر، فوجد مقتولاً في اليوم التالي.

ويعد من شعراء الطبقة الأولى، ترسم خطا المتنبي وأكثر من وصف الجيوش والمعارك واعتمد على تغليب اللفظ على المعنى مشبهه المعري(برحىً تطحن القرون) ألفاظه فيها قعقعة، تكلّف الصنعة البديعية والتوشية في شعره واستعمل الجناس، ولم يصور البيئة الأندلسية بل لجأ إلى تقليد شعراء الجزيرة من ذلك قوله:

أما والجواري المنشآت التي سرت لقد ظهرتها عدّةٌ وعديد

قبابٌ كما تزجى القباب على المها ولكنّ من ضمّت عليه اسود

ومن ذلك قوله في المعز لدين الله الفاطمي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ فاحكم فأنت الواحد القهار

فكأنّما أنت النبي محمد وكأنّما أنصارك الأنصار

ومن رثائه قوله:

إنا وفي آمال أنفسنا طولٌ وفي أعمارنا قصرُ

لنرى بأعيننا مصارعنا لو كانت الألبابُ تعتبرُ

ب- ابن شهيد الولادة (382هـ):

ولد أحمد بن أبي مروان بن شهيد في أسرة شريفة في مدينة قرطبة، وقد كان كاتباً وشاعراً،طريف المعشر، يهوى النكتة والدعابة، ويحب مجالس الأنس قرّبه إليه حاكم قرطبة المؤتمن، كتب في المدح والوصف والغزل، له باع طويل في النثر فقد كتب رسائل عدة في الحلواء ورسالة في وصف البرد والنار وأهم رسائله (التوابع والزوابع) كتبتها على غرار رسالة الغفران للمعري وقد امتاز شعره ونثره ببراعة الأسلوب وسعة الاطلاع والميل إلى القصص والفكاهة و شاكل في شعره الجاحظ وابن المقفع، واتسم نثره بالسجع توفي عام (426هـ).

ج- المعتمد بن عباد:

أشهر ملوك الطوائف، والده المعتضد بالله ولد عام (431هـ) وتولى ملك اشبيلية عام (461هـ) استوزر ابن عماد الشاعر وأكرم الأدباء والعلماء وبلغ مكله إلى مرسية.

استنجد بيوسف بن تاشفين بعد أن هدده ألفونس السادس فدخل ابن عاشفين الأندلس وطرد القشتاليين وضم الأندلس إلى ملكه، وسجن المعتمد في سجن (أغمات) قرب مراكش.

توفي المعتمد في السجن عام (488هـ).

اتخذ الشعر أداة للتعبير عن مشاعره، فوصف الطبيعة والخمر والملاهي، وكتب في الغزل، وأحبّ المعتمد (اعتماد الرميكية) وتزوجها وعاش أيامه الأخيرة شجيناً في أغمات كما عاش أبو فراس سجيناً في (خرشنة).

كانت أشفاره زافرات متقطعة من ذلك قوله:

غريبٌ بأرض المغربين أسير سيبكي عليه منبر وسرير

مضى زمنٌ والملك مستأنس به وأصبح منه اليوم وهو نفوز

د- ابن خفاجة:

ولد ابراهيم ف ي جزيرة (شُقر) البلنسية عام 454هـ.

وعاش في أيام ملوك الطوائف يمكن على اللهو وكتب شعراً ونثراً في المدح والرثاء والشكوى والوصف وأولع بجمال الطبيعة الأندلسية وقد شخّص هذه الطبيعة فأحالها إلى نفوس ذات إحساس تنطق وتشكو. من ذلك قولي في وصف الجبل:

وأرعن طماح الذوابة باذخ يطاول أعنان السماء بغارب

وقورٌ على ظهر الفلاة كأنّه طوال الليالي مفكر في العواقب

أسخط إليه وهو أخرس صامتٌ ليل السرى العجائب

وقد قلّد ابن خفاجة في نثره ابن العميد وبديع الزمان الهمذاني والتزم السجع والمحسنات اللفظية:

هـ- لسان الدين الخطيب:

ولد محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني في غرناطة (713هـ) وأكبّ على العلم وصاحب العلماء والأدباء فدرس اللغة والأدب والفلسفة والطب وعمل وزيراً لأبي الحجاج يوسف ملك غرناطة ثم لابنه.

اتهمه حسّاده بالزندقة، وقتل في سجن فاس ومن مؤلفاته (الاحاطة في تاريخ غرناطة) وفي (الحلل المرموقة) وكتاب الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام، (اللمحة البدرية في الدولة النصرية) وكتاب (ريحانة الكتاب وبخعة المنتاب). وقد كتب في التصوف والموسيقا والطب وشغف بأسلوب المجاز وا لبديع ومال الزخرف في كلامه له ديوان إن شعر يحتوي موشحات منها:

جادك الغيث إذا الغيث هما يا زمان الوصل في الأندلس

لم يكن وصلم إلا حلماً في الكرى أو خلسة المختلس



الفصل الرابع

الموشحات الأندلسية

اختلف الدارسون في فن الموشحات، فاعتبره البعض رديفاً الترابتور، وعزاه البعض الآخر إلى أصول عربية تنطلق من النشيد الذي استقبل به أهل المدينة المنورة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في ثنية الوداع ونسبة البعض الآخر لابن المعتز العباسي.

آ- معنى الموشح:

لغة: الوشاح: الثوب أو القلادة التي تتشح به الفتاة ويكون مرصعاً بالجواهر ويشد من بين العاتق والخصر .

اصطلاحاً: كلام منظوم على أوزان مخصوصة مخالفة لبحور الخليل، وقد جمع ابن سناء الملك في كتابه (دار الطراز) حوالي مئة وثمانين وزناً.

نشوء الموشحات:

ب- نشوء الموشحات:

نظراً لوجود الطبيعة الجميلة وانتشار اللهو والغناء فقد نشأ على ألسنة العامة لون جديد من الشعر الغريب المنوع القوافي والقريب من الزجل، وقد بقي هذا الفن مسموماً لا مكتوباً حتى جاء الدارسون فأطروه في الكتب وقد اختلف الأقدمون في نس بة هذا اللون من الشعر إلى محمد بن محمود القبري الضرير، ومقدم بن معافى، ولم يذكر لهذين الرجلين شأن حتى جاء عبادة بن ماء السماء فجعل الموشحة فناً قائماً بداية له أسسه وتقاليده.

ج- البنية الفنية للموشحات:

اعتمد الموشح على مجموعة أوزان وأقفال وأغصان وأدوار وخرجه، وأوزان الموشحات إمّا على أوزان العرب و إمّا على أوزان جديدة واعتبر الدارسون أن الموشحات التي ليست على أوزان العرب هي الأفضل مثال على ذلك .

صبرت والصبر شحية العاني ........ ولم أقل للمطيل حجراني

ررررر معدّ بي كفاني .

ومما جاء على أوزان العرب قول ابن سناء الملك:

كلِّلي

يا سحب يتجان الرُّبا

بالحلي

واجعلي

سوارها منعطف

الجدول

ويمكن تقسيم الموشحات إلى خمسة أقسام:

القسم الأول: الموشح الموزون على طريقة الشعر التقليدي.

القسم الثاني: الموشح الخارج عن الوزن الخليلي بكلمة أو حركة.

القسم الثالث: المو%

الثقافة وتبليغها بالأندلس في مرحلة الاستقرار (القرون 7 إلى 9 / 13 إلى 15م)

 

  تقلص الرقعة الجغرافية للدولة الأندلسية لم يوقف الزحف الثقافي لمجتمع الأندلس، بل حفز هذا المجتمع على المحافظة على نشاطه النادر في شتى المجالات، وذلك على الرغم من الظروف السياسية غير المواتية، والتي لم تساعد على استقرار المجتمع ولا النظام القائم الذي طالما زعزعت الخيانات أركانه ومزقت المؤامرات أوصاله. وعاشت الثقافة وسط هذا الخضم القاتم بشمم وإصرار، في ظل حكم وطني يغار على كيانه ويساهم أيضا في تبادل المؤامرات مع جيرانه من العدوة الأخرى، بقدر ما يتبادل المثقفون من العدوة المغاربية كلها مع العدوة الأندلسية، الخبرات الثقافية والفكرية والعلمية على نطاق واسع تجاوز في حجمه وحتى في عمق تأثيره، فيما يخص بعض الجوانب، ما كان عليه الأمر في القرون السابقة. فما الذي استجد في مرحلة الاستقرار هاته؟

1 - اتسعت الصلات الثقافية بين الدارسين المثقفين من أهل الديانات الثلاث خصوصا مع أن هؤلاء الدارسين كانوا يلتقون معا لمتابعة الدراسة في بيوت علماء المسلمين، وفي المؤسسة التي أنشأها النصارى بمرسية في القرن 7هـ/ 13م.

2 - تقلص دور الفكر الفلسفي المستمد من الأصول الإغريقية، واتسع نطاق الفكر الصوفي التجريدي.

3 - تميزت مملكة غرناطة بعطائها المتميز في النحو خاصة، والدراسات اللغوية عامة. وأشع إنتاج نحاة هذا العصر على العالم العربي كله.

4 - استرجع المذهب المالكي كامل عافيته بعد التطور الذي حصل أيام الموحدين، وإن كان تراجع هذا المذهب أقل مما حصل بالعدوة الأخرى في عصر هؤلاء.

5 - ساد الجمود الفني والفكري الإنتاج عموما بسبب الاهتمام بالزخرف اللفظي وانتشار ظاهرة الاسترزاق الثقافي بشكل تجاوز كل ما سبقه. وكان ملوك بني الأحمر يحاولون أن يكتسبوا تعاطف المثقفين عن طريق تشجيع الموالين للبلاط والإنعام على المثقفين الوافدين من أقطار المغرب بالوظائف والجرايات. لكن هذا لا يعني أن الثقافة قد احْتَوَشَتْها مصائد السلطة بشكل مطلق.

السلطة والمثقفون

عمل عدد من الملوك على تقريب المثقفين من كل الحيثيات، وبعضهم كمحمد الثاني (ت. 671) كان يقرب إلى الأطباء والحكماء والمنجمين والكتاب والشعراء(1) . وكانت ميزة العصر تعيين عدد من العلماء وكبار الأدباء في المناصب الكبرى(2) .وكان ميل محمد الثالث إلى الشعر والشعرا ء يستمع إليهم ويجيزهم(3) .على أن معظم الملوك مارسوا السلطة في جو غير مستقر، وكثيرون نصبوا على أشلاء سابقيهم، وفي خضم المؤامرات والدسائس التي سادت البلاط وتورط فيها الساسة والأدباء وغيرهم من المثقفين. ولم يشهد بلاط الأندلس من هواة التملق وتغيير الولاء ما شهده بلاط بني الأحمر. وقد استغرب ابن الخطيب لحال أحد كبار القضاة من معاصريه، وهو ابن مسعدة أحمد بن محمد العامري الذي كان على ثقافته الواسعة يتفنن في طرق التملق للعاهل بشكل ينزل بكرامته وجلال منصبه إلى الدرك الأسفل. وبالرغم من أن ابن الخطيب خص معاصره ابن الحاج النميري الذي كان فقيها محدثا أديبا بجميل الأوصاف وحميد الشمائل، فإنه أشار أيضا إلى تقلبه بين تقلد الوظائف السامية والاعتزال للتعبد والنسك(4) .

وبسبب تقلص مجالات العمل أمام أكثر المثقفين من شتى الميادين، كان عدد منهم في قطاع الوظائف السلطانية والإدارية يعيش على الدرس لإخوانه حتى يقفز الأدنى درجة إلى أعلى. وهذا يؤثر بطبيعة الحال في السلوك الثقافي ويعمل على تحريفه، خصوصا في أوساط الأدباء. وبالمقابل، زكما يحدث في كل عصر، فهناك مثقفون لهم مواقف في التعامل مع السلطة يلتزمونها بشكل أو بآخر. فالمحدث ابن ا لقطان (ت. 628) كان من مناهضي المامون الموحدي الذي أبطل أصولية المذهب التومرتي، بينما ناصر يحيى المعتصم(5) . وابن صابر القيسي كان من كتاب السلطان أبي سعيد فرج. فلما سمع السلطان أنه يرفع يديه في الصلاة، هدده بقطع يده، فلجأ إلى مصر قائلا: "إن إقليماً تُمَات فيه سنة رسول الله، حتى يتوعد بقطع يد من يقيمها لجدير بأن يرحل منه"(6) . وهكذا مست المحنة المثقفين بطرق مختلفة، ولأسباب متباينة، منها ما هو شعائري أو شرعي، ومنها دسائس الحساد، ومنها اضطهاد الفكر، وهلمجرّاً. ومست المحنة المواطنين والوافدين على السواء. فالعالم منصور بن علي الزواوي الوافد على الأندلس من المغرب الأوسط سنة 753 كان من أوائل العلماء الذين عينوا للتدريس بالمدرسة النصرية بغرناطة، والتي أنشأت سنة 750. وزاول مهمته باقتدار سنوات طويلة قبل أن يطرد من الأندلس بسبب امتناعه عن الحكم بتكفير شخص اتهم بالنيل من الذات الإلهية والنبوة، خلال مجلس انعقد لهذا الغرض، وأصبح الزواوي نفسه معرضا للاتهام بمساندة مرتد. وعاد العالم إلى بلاده(7) سنة 765 بعد أن كون أجيالا من طلاب الأندلس وأقرانهم الوافدين.

وتعرض العالم أحمد بن إبراهيم بن الزبير (القرن 7هـ) لدسيسة من ال متصوف إبراهيم الفزاري الذي اتهم فيما بعد بالشعوذة، فكبس منزله وصودرت كتبه وهو في حالة فرار. ثم تجددت محنته على يد الغالب بن نصر الذي أكرمه مدة قبل أن يفرض عليه الإقامة المحروسة ويمنعه عن استقبال الزوار لفترة طويلة. ولم تقع محاكمة الفزاري إلا بعد هذه المحنة التي تعرض لها ابن الزبير. وأعدم الفزاري إلا بعد هذه المحنة التي تعرض لها ابن الزبير. وأعدم الفزاري بعد إثبات الشعوذة في حقه(8) .

ولجأ الأديب الشاعر محمد بن خميس التلمساني (ت. 708) من بطش بني زيان إلى الأندلس تحت رعاية الوزير ابن الحكيم. فلما حدثت المؤامرة على السلطان محمد الثالث، قتل هو والوزير المذكور، وعمد القاتلون إلى الفتك بابن خميس لمجرد أنه كان في رعاية ابن الحكيم(9) . ويشير ابن الخطيب إلى أن هذا الوزير كان يحقد على أحد الكتاب النابهين من الشباب في البلاط، وكاد يتلخص منه لولا أن المنية عجلت بهذا الكاتب، واسمه عبد الله الشراط، وهو من مالقة(10) . وبعض السلطات الإقليمية كانت تضيق ذرعا ببعض المثقفين من شتى الاتجاهات . ونماذج الإذاية من هذا الجانب تعددت قبل هذه الحقبة، ولكنها تفاقمت خلالها. ويكفي أن يحاط بذي نفوذ لتعامل بطانته بالصورة نفسها. وقد ك اد ابن رشيد السبتي (ت. 721) يلقى حتفه يوم قتل صديقه أبو عبد الله الحكيم إحدى الشخصيات البارزة في غرناطة .

والذين غادروا غرناطة من المثقفين لانعدام حرية الفكر أو لمضايقات من الحساد أو السلطة كثيرون. وقد كان ابن حيان النفزي (ت. 745) - وهو من كبار النحاة والعلماء - يتعرض للتنكيل بأمر السلطان، على إثر معركة قلمية بينه وبين بعض معاصريه. ومن ثم استطاع أن يفلت بجلده إلى المشرق حيث نال شهرة واسعة(.

وبين المثقفين من استهواهم التنجيم والتنبؤات الفلكية التي يتعلق بعضها بالنظام القائم أو بعاهل يطاح به، وذلك يعرضهم لمحنة قاسية وهكذا اعتقل أحمد الحِبالي الأنصاري على يد السلطان محمد بن أبي الحجاج بعد رجوعه إلى الملك، وكان هذا الأديب الفلكي قد تنبأ بالثورة عليه. فلما اعتقل، ضرب بالسياط حتى كاد يهلك، ثم نفاه إلى تونس سنة 763. وقبله اشتغل محمد بن أحمد المراكشي بالغيبيات وهو من سكان ألمرية؛ فلما أحس بالشر ي تهدده من السلطة، لجأ إلى المغرب فاستقدمه السلطان الأندلسي من تلمسان. فقد كانت تبرم اتفاقات أحيانا بين السلطات المغربية بتبادل المتهمين إذا لم يحتفظ بهم حماتهم ورقة ضغط تستخدم لاحقا(13) .

وإذا كانت الضائقة المالية والاضطرابات السياسية التي لا تسمح للمسيرة الفكرية والثقافية بالاستمرار السليم، من أسباب هجرة الوطن(14) ، فإن كثيرين من المهاجرين تلاحقهم المحنة في أرض الغربة لسبب أو لآخر. وكثيرا ما تنعدم حرية الفكر أو مجرد التسامح في المهجر، مع أن الجو الثقافي ترتبط سلامته بمزاج السلطة القائمة، وليس بسياسة عامة للدولة. وفي بعض الأحيان تصدر عن المثقف اللاجئ، وهو في رعاية سلطة المهجر، تصرفات طائشة قد يلقى بسببها مصرعه، كحادث ابن الأبار بتونس الذي كان يبدي الاستخفاف والازدراء بأولياء نعمته. وهذا على الأقل ما تورده الرواية التي تناولت مصرعه وإحراق كتبه(15) . وكذلك ثبتت التهمة على إبراهيم الفزاري السابق ذكره، بادعاء النبوة، فأعدم بعد محاكمة أثارت اللغط، حتى إن القاضي الحسن النباهي الذي كان ممن ناهضوه تعرض هو أيضا لنهب أمواله قبل أن يتولى السلطان الفقيه بنفسه محاكمة الفزاري ، وهو واحد من كثيرين بالأندلس نكبوا بشكل علني أو اغتيالا. وكان ابن السراج محمد بن إبراهيم الأنصاري طبيب القصر السلطاني بغرناطة أيام محمد الثاني. فلما بحث في وفاة هذا السلطان بعد إعلانها، تبين أنها من طعام مسموم بعث ولي العهد، فأثبت ذلك الطبيب، فعرض نفسه لسجن طويل الأمد، ثم نفي إلى المغرب قبل أن يصدر العفو عنه ويعود إلى بلده(17) .

ومحنة لسان الدين بن الخطيب تكشف عن مدى الأحقاد التي كانت كامنة في نفوس عدد من أعداء هذا المثقف البارز، ثم تفجرت بعد أن دال عزه ولجأ إلى المغرب في انتظار مصيره. فهو لم يغادر الأندلس حتى ترك وراءه خصوما ألداء، بعضهم في مناصب سامية كابن الحسن النباهي من كبار القضاة، وابن زمرك الذي عمل في كتابة البلاط المريني ثم لدى البلاط النصري. وكان مما أخذه الأول على ابن الخطيب، حسب بعض المراسلات التي ساقها المقري، عرقلته للأحكام القضائية وخذلانه لسلطانه وانشغاله في المغرب باقتناء العقارات وترويج الأموال، وانتقاده لشخصية الرسول r ، وزيادة في الضرائب قبل انتقاله إلى المغرب. وساق المقري بعد هذا نص ظهير تولية ابن الحسن قضاء الج ماعة من تحرير ابن الخطيب، وهو تزكية عجيبة وتعداد للمهمات التي قام بها الحسن(18) . والمقري إذ يقرن هذا النص بمراسلات ابن الحسن، فهو يعبر بشكل غير مباشر عن تصرف شخص خان عهده، وآخر تصرف بسلامة نية وحسن رعاية. وإذا لم يكن ابن الخطيب معصوما من الأخطاء، فإن اتهامه بالطعن في الجانب النبوي يتناقض مع النصوص الشعرية العديدة التي خص بها ابن الخطيب شخص الرسول وشمائله. ومن ناحية أخرى، فقد كتب ابن الخطيب جملة مذكرات لاذعة في حق خصومه، بمن فيهم القاضي النباهي وابن زمرك. ولا مراء في أن ابن الخطيب كان لاذع النقد للأفراد والمجتمعات والأماكن. وعندما تغيرت عليه الأيام، أمعن خصومه في اتهامه بالإلحاد والزندقة والقول بالاتحاد والحلول. وهي تضم رفضها المقري في عرضه عن حياة ابن الخطيب؛ كما أن السلطان عبد العزيز المريني عندما وقف على التقارير التي وجهت إليه من الأندلس ليحكم بموجبها بإعدام التهم، جابه المبعوثين بقوله: هلا فعلتم أنتم ذلك وهو بينكم؟ فلما توفي هذا السلطان، أحكمت المؤامرة على ابن الخطيب، وانحشر فيها وزير مغربي حاقد، فكان ما كان من اغتياله سنة 777 حسب كاتب "ذكر مشاهير أعيان فاس..."، أو في سنة 776 عند غيره. وأحرقت جثته وشوهت على يد الوفد الأندلسي(19). وكانت هذه الحادثة دليلا على اختلال الذي صار إليه جهاز الحكم المريني.

وتشاء الأقدار أن يلقى ابن زمرك (محمد بن يوسف الصريحي) مصيرا مشابها لمصير ابن الخطيب. وهو عالم وأديب كبير عمل في البلاط الغرناطي وتولى كتابة السر ومهام السفارة لدى الغني بالله. ثم نسب إلى الاستعلاء والغلظة والاستخفاف بحجاب البلاط وشراسة اللسان والتضريب بين المسؤولين، فاعتقل بقصبة ألمرية ثم سرح وأعيد إلى منصبه أيام العاهل محمد السابع، وكلف بعد ذلك بأشغال الجباية فاشتد على الناس، وأدى ذلك إلى قتله على يد العاهل. وهو (أي ابن زمرك) في بيته وأرته التي قتل من حضر منهم أيضا(20) ، وذلك سنة 795هـ. وهذه الرواية في مقتل ابن زمرك وما نسب إليه من مآخذ وتهم، ساقها أحد أمراء بني الأحمر، ونقلها عنه المقري. وهذا الأمير السلطان هو أبو الحجاج الناصر يوسف الثالث (810-820/1407-1417). وتأليفه الذي نقل المقري هو: "البقية والمدرك من كلام ابن زمرك"(21) . وواضح أن رواية ابن الأحمر تحتاج إلى مقابلة مع ما يمكن العثور عليه من الروايات الأخرى.

وكما كان الأمر دائما في العصور الإسلامية بمختلف الجهات، فقد شارك كثير من العلماء والأدب اء في الجهاد والمقاومة، واستشهد المئات منهم أو فقدوا في ساحات المعارك. ولربما أسفرت معركة طريف سنة 741هـ عن أكبر عدد من الشهداء بين صفوف النخبة المثقفة خلال تاريخ الأندلس المسلمة كله. ومن بينهم الفقيه ابن جزي الكلبي محمد بن أحمد، والفقيه الزاهد محمد الغساني في مالقة، والأديب عبد الله بن سعيد السَّلْماني والد لسان الدين بن الخطيب، والعالم الحيسوبي محمد بن يحيى الأشعري المالقي(22) .

الدراسة وطرق التدريس

بدأت طرق التدريس تتجه إلى نوع من الاستقرار والجمود في مجال العلوم الشرعية وغيرها فيما عدا الاجتهادات الخاصة التي تميز بعض الأساتذة عن أغلب أقرانهم. ونحن بفضل "مقدمة" ابن خلدون وتعاليق الأزرق عليها، نتعرف جملة من طرق التربية والتدريس التي عاصرها وقارن بين ما يعرفه منها بالشمال الإفريقي وما يعرفه بالأندلس وحتى المشرق.

وقد اتخذ الكتاب مزيدا من الأهمية سواء على شكل مطولات أو مختصرات أو متون مشروحة، أي أن التوسع في هذا الباب ازداد عما عرف في المرحلة السابقة. ومع هذا، فقد ظل الولع باقتناء الكتب والتنافس في إنشاء الخزانات الخاصة والموقوفة قائما، ومما لا يحتاج إلى إيضاح أن أقطار المغرب عموما والمغ رب الأقصى خصوصا عرفت تدفقا للكتب المنقولة من الأندلس بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك بعد اشتداد الضغط على المدن الأندلسية وهجرة الأسر منها. وكان بين هذه الكتب ما وقع بأيدي النصارى ويتجاوز بكثير ما أمكن نقله سليما إلى خارج الأندلس. وقد استرجع يعقوب المريني فيما بين 684 و685هـ ثلاثة عشر حملا من الكتب وفقا لشروط الصلح مع القشتالين، وهي لا تمثل إلا أقل القليل مما كان بيد النصارى وحتى اليهود مما لم يحرق. ونفذت سياسة إحراق الكتب بقسوة في المراحل الأخيرة من الحكم الإسلامي بغرناطة على يد النصارى. أما يعقوب المريني، فنقل الأحمال المذكور إلى مدرسة الحلفائيين (الصفارين) بفاس، والتي تواجه مكتبة القرويين، وكان فيها مصاحف، و"تفسير" ابن عطية، والثعالبي، ومؤلفات الحديث والفقه والعربية والأدب وغيرها(23) . أما الخزانة السلطانية بغرناطة، فكان مقرها بقصر الحمراء، ويتولى نظارتها مثقفون مرموقون. ونافس بعض كبار المسؤولين ملوك بني نصر في اقتناء الكتب والتنقيب عن نوادرها حتى قيل إن ذا الوزارتين محمد بن عبد الرحمن اللخمي الرندي (ت. 708) قد أفرط في ذلك وضاقت قصوره عن استيعابها. ووصف الفقيه الأديب ابن جُزَيّ محمد بن أحمد بأنه كان ملوكي الخز انة. وكان بين أصحاب الخزائن من يحبس كتبه. ومما وقفه السلطان الغالب بالله على المدرسة اليوسفية بغرناطة، نسخة من كتاب "الإحاطة" في اثني عشر مجلدا(24) سنة 829هـ.

والتعليم في مرحلته الأولى يبدأ من الكُتَّاب كما هو الأمر في سائر عصور الإسلام حتى استحدث نظام رياض الأطفال. وكثير من معلمي الكتاتيب يجسمون القدوة الصالحة ويشتهرون بالقناعة والزهد مع العبادة. ولذلك يتبرك بهم. وبالنظر لعدم وجود نظام للمشارطة في المدن، فإن كثيرا من المعلمين يرتزقون من عمل إضافي يشتغلون به خارج إدارة الكتاب القرآني. وقد وصف ابن الخطيب معلمه محمد بن عبد الولي الرعيني بإتقان القراءات وتجويد القرآن وعدله في المعاملة بين أبناء الموسرين والمعسرين. وقال إنه يقرأ على أسرته كتب الوعظ والرقائق كل جمعة، فيصغي إليه الجيران أيضا .

ويتبين من كلام ابن خلدون في "المقدمة" أن التعليم في الكتاتيب لم يقتصر على حفظ القرآن ورواياته، بل كان يشمل تعليم الخط وحفظ الشعر ونماذج الترسل بالإضافة إلى دراسة قواعد العربية. ولذلك يرى ابن خلدون أن ملكة ال لغة كانت تحصل لأهل الأندلس بسبب هذا التكوين المبكر. ومن ثم فهم - حسب رأيه -، مقصورون في سائر العلوم (لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث، التي هي أصل العلوم وأساسها)(26) .

ولما كان الخط الجميل الخالي من التصحيف يحتل مقاما كبيرا في المعاملات وفي دواليب الدولة والنشاط الثقافي، فقد أولاه الأندلسيون عناية خاصة، لأنه ظل حتى اختراع المطبعة صناعة حقيقية. ويظهر أن الخط الأندلسي انتشر منذ بداية القرن السادس انتشارا كبيرا في أقطار المغرب عن طريق الوافدين من الأندلس، أدباء وفقهاء ومؤدبين وغيرهم، إلى درجة أنه اكتسح مؤسسات التعليم بإفريقية ولم يبق لخطها الخاص وجود إلا بمنطقة "الجريد" حيث الاحتكاك بأهل الأندلس قليل. ومثل ذلك حصل بالمغرب خلال عصر الموحدين وبني مرين قبل أن تتراجع خطوط الشمال الإفريقي فتبدو الرداءة بعد ذلك في ما كتب من مصنفات لاحقة يكثر فيها التصحيف وينحرف الخط عن الجودة إلى درجة أن الفتاوي في عصر ابن خلدون تأثر مضمونها بهذا التحريف .

ومع هذا، فابن خلدون يذهب بعيدا في التشاؤم وحتى إنكار المجهود العلمي قبله بالأندلس (لتناقص عمران المسلمين بها منذ مئين من السنين). وحتى الفقه أصبح أثرا بعد عين، وأكثر من ذلك العلوم العقلية. وسنرى فيما بعد ما الذي يمكن الأخذ به من أحكام ابن خلدون سواء في عصره أو في سائر مرحلة الاستقرار(28) (من القرن 7 إلى القرن 9).

والفكر التربوي لهذا العصر يجسمه في الغالب ما يلقيه بعض الأساتذة من توجيهات دقيقة، وما أنجزه بعض الفقهاء المفكرين، لاسيما ابن الأزرق في كتابه "بدائع السلك" الذي هو مجموع تعاليق، معدة بشكل منهجي، على أفكار ابن خلدون الاجتماعية والسياسية في "مقدمتـ"ـه. وكثير من الأساتذة كانوا قدوة مثلى لتلاميذهم في العمل والمثابرة والوفاء للمبادئ. وكان محمد بن يحيى الأشعري من علماء القرن الثامن حريصا على متابعة طلابه تربويا، وكانوا يحذون حذوه لباسا واعتدالا وجدا، ويخاطبهم بمثل ما كان يقوله الجنيد: "يا معشر الشباب! جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي، فتضعفوا وتقصروا كما قصرت"(29)

وخص ابن الخطيب أبناءه الثلاثة، وهم راشدون، بوصية تضمنت:

1 - التذكير بمصير الإنسان وعبر الموت؛

2 - احترام وتنفيذ تعاليم الرسول r ومحبة صحابته؛

3 - التمسك ب كتاب الله وشعائره الأساسية من صلاة وزكاة وصيام وحج؛

4 - الحرص على اكتساب العلوم، ولا سيما الشرعية؛

5 - التمسك بالأخلاق الحميدة واجتناب الرذائل كالخمر والربا؛

6 - النهي عن مصاحبة الخائضين في أمور الدنيا والبحث عن المناصب(30) .


وفيما يخص التدريس في المساجد، ليس هناك تطور كبير يذكر. فالطالب يتلقى المادة العلمية من أستاذه، والمدرس يعتمد على الكتاب نفسه الذي يدرسه طالبا، مستعينا بأمهات الكتب لمزيد من الاستيعاب والتوضيح، ولربما للتعقيد أيضا، عندما تتعدد الصور والتفريعات والأقوال دون نتيجة أو قاعدة حاسمة. ويعتمد منهج التدريس على ذكاء المدرس واستفادته من طرق زملائه وأساتذته الذين تلقى عنهم. وقد يبسط بعضهم أسلوبه؛ وإذا خاطب مستمعين شعبيين، زاده تبسيطا(31) .

وفي الأساتذة من لهم القدرة على تدريس عدة فنون، كابن الفخار أبي بكر محمد بن عبد الرحمن الجذامي الذي قام بتدريس الأدب والفقه والعربية والحديث والقراءات؛ وكابن علاق الغرناطي الذي تولى تدريس هذه الفنون مع "تلخيص" ابن البنا في الحساب و"تفسير" الزمخشري. وصور المشاركة قد تتسع أو تضيق، ولكن نماذجها كثيرة(32) . فقد كانت ملازمة ال طلاب لبعض الشيوخ قد تستغرق سنين طويلة بل عقودا، كملازمة المجاري لمحمد القِجاطي مدة ثلاثين سنة. وكان هذا العالم مشاركا على غرار الشاطبي صاحب "الموافقات"(33) . على أن هناك من كرس نفسه لعلم بعينه حتى ولو ألم بغيره، مثل محمد بليش العبدري الغرناطي الذي عكف على البحث في العربية مع مشاركة في الطب، وكان يعيش من تجارة الكتب. كما أن بين الدارسين من يقرأ الكتاب نفسه مكررا على عدة شيوخ، أو يدرس بعضه عند هذا وبعضه عند آخرين. وهذا بعني أن الدراسة على بعض الشيوخ لا تتجاوز نصا أو بضعة نصوص من كتاب(34).

ويظهر أن ما يعرف بالدروس الخصوصية لم يعد شائعا على ما كان عليه في القرون الماضية. وقد يكون لمؤسسة الوقف وضبطها دور كبير في ذلك، حتى مع تقلص الأموال الموقوفة. ثم إن وجود سبتة وفاس بما تضمانه من مدارس وزوايا وأوقاف عديدة ساعد على استيعاب أعداد كبيرة من طلاب الأندلس وحتى من أساتذتها. ومن الذين عرفوا بتقاضي الأجر على الدروس الخصوصية، العالم النحوي ابن أبي الربيع الأموي الإشبيلي(35) .

والأساتذة تنعكس طبائعهم الخاصة وحالتهم النفسية على سلوكهم الخارجي في حقل التربية والتدريس. ومن ذلك أن الأعلم إبراهيم بن قاسم البطليو سي النحوي عرف بالانفعال والغضب، حتى إنه كان يمنع طلبته من التبسم بحضوره وقد يعاقبهم على ذلك بالضرب (!). ولا شك في أن مثل هذه الحالة كانت نادرة، بينما كان المحدث أبو جعفر بن الزبير حلو الفكاهة طيب المجالسة من غير إخلال بالوقار(36) . وهناك كثيرون فتحوا بيتهم للطلاب والسائلين، مثل ابن العربي محمد بن علي الغساني (ت. 748) الذي كان مسكنه بالحمة من إقليم ألمرية مقصدا للطلاب الوافدين من الحصون والقرى الشرقية، ففتح لهذه المناطق المنعزلة بابا واسعا لاكتساب المعرفة بموازاة طلاب المدن المحظوظين. وكان محمد بن عبد الله النميري الوادي آشي معاصره يستقبل العلماء في بيته باستمرار، مع تواضعه ودعابته. وهو مفت ومدرس(37) .واشتهر غير هؤلاء بالحرص على خدمة الآخرين ممن يحتاجون إلى المعونة، كالفقيه الموثق ابن قطبة محمد الدوسي الذي كان يساعد المتعلمين ويفك الأسرى، والفقيه المقرئ إبراهيم التنوخي الذي كان يواسي قاصديه بقوته ويحظى بشعبية واسعة، ومثله الفقيه المشاور ابن سلمون الكناني. وقد كانت الوضعية الاجتماعية والسياسية المضطربة تتطلب هذا التضامن النموذجي(38)

  وصف الطبيعه في الأندلس ...

  من الموضوعات التي شاعت في الأندلس وازدهرت كثيراً
شعر وصف الطبيعة وهذا موضوع في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي إذ وصف الشعراء صحراءهم وتفننوا في وصفها لكن هذا الوصف لم يتعد الجانب المادي وفي العصر الأموي والعباسي عندما انتقل العرب المسلمون إلى البلدان المفتوحة وارتقت حياتهم الاجتماعية أضافت على وصف الطبيعة وصف المظاهر المدنيَّة والحضارة وتفننوا , فمن ذلك فقد وصف الطبيعة عند الشعراء العباسيين أمثال النجدي والصنوبري وأبي تمام وأبي بكر النجدي الذي عاش في بيئة حلب ولكن ما الجديد الذي جاء به الأندلسيون بحيث أن هذا الموضوع أصبح من الأغراض والموضوعات التي عُرف بها أصل الأندلس .
عوامل ازدهار شعر الطبيعة في الشعر الأندلسي


• ازدهار الحضارة العربية في الأندلس ازدهارا كبيرا وهذا الازدهار الذي شمل جميع جوانب الحياة الأندلسية .
• جمال الطبيعة الأندلسية التي افتتن بها شعراء الأندلس وتعلقوا بها وفصَّلوا في وصفها والتغني بمفاتنها .
• ازدهار مجالس الأنس والبهجة واللهو حيث كانت هذه المجالس تُعقدُ في أحضان الطبيعة .
خصائص وصف الطبيعة

• أفرد شعراء الطبيعة في الأندلس قصائد مستقلة ومقطوعات شعرية خاصة في هذا الغرض بحيث تستطيع هذه القصائد باستيعاب طاقة الشاعر التصويرية وخياله التصوري , غير الالتزام الذي تسير عليه القصيدة العربية فلم يترك الشاعر زاوية من زوايا الطبيعة إلا وطرقها .
• يعتبر شعر الطبيعة في الأندلس صورة دقيقة لبيئة الأندلس ومرآة صادقة لطبيعتها وسحرها وجمالها فقد وصفوا طبيعة الأندلس الطبيعية والصناعية مُمَثَّلة في الحقول والرياض والأنهار والجبال وفي القصور والبرك والأحواض .
• تُعد قصائد الطبيعة في الأندلس لوحات بارعة الرسم أنيقة الألوان محكمة الظلال تشد انتباه القارئ وتثير اهتمامه .
• أصبح شعراء الطبيعة نظراً للاهتمام به يحل محل أبيات النسيب في قصائد المديح , بل إن قصيدة الرثاء لا تخلو من جانب من وصف الطبيعة .
• أصبحت الطبيعة بالنسبة لشعراء الأندلس ملاذاً وملجأ لهم يبثونها همومهم وأحزانهم وأفراحهم وأتراحهم إلا أن جانب الفرح والطرب غلب على وصف الطبيعة فتفرح كما يفرحون وتحزن كما يحزنون .
• المرأة في الأندلس صورة من محاسن الطبيعة , والطبيعة ترى في المرأة ظلها وجمالها فقد وصفوا المرأة بالجنة والشمس

ابن خفاجة الأندلسي  يصف نهراً في الأندلس

لله نهـرٌ سـال َفـي بطـحـاءِ
أشهى وروداً من لمى الحسنـاءِ
مُتعطـفٌ مثـلَ السـوارِ كأنـهُ
والزهـرُ يَكنُفُـه مَجَـرُّ سمـاءِ
قد رق حتى ظُن قوسـاً مفرغـاً
من فضةٍ فـي بُـردةٍ خضـراءِ
وغدت تُحف به الغصونُ كأنهـا
هُـدب تحـف بمقلـةٍ زرقــاءِ
ولطالما عاطيـتُ فيـه مدامـةً
صفراء تَخضبُ أيـديَ الندمـاءِ
والريحُ تعبثُ بالغصونِ وقد جرى
ذهبُ الأصيلِ على لُجينِ المـاءِ
ابن سهل الأندلسي
يصف نهراً
لله نهرٌ ما رأيت ُ جمَالَهُ
إلا ذكرتُ لديه نهرَ الكوثرِ
والشمسُ قد ألقت عليه رداءها
فتراهُ يرفلُ في قميصٍ أصفرِ
والطيرُ قد غنَّت لشطحِ رواقصٍ
فوقَ الغديرِ جَرَرنَ ثوبَ تَبختُرِ
وكأنَّما أيدي الربيع عَشيَّةً
حلَّين لَبَّاتِ الغصونِ بجوهرِ
وكأنَّ خُضرَ ثِمارهِ وبياضِه
ثَغرٌ تَنَسَّمَ تَحتَ خَدِّ مُعَذَّرِ


ابن هاني الأندلسي في وصف المطر

ألؤلؤٌ دمعُ هذا الغيثِ أم نقـطُ
ما كانَ أحسنهُ لو كان يُلتقـطُ
أهدى الربيعُ إلينا روضةً أنفـاً
كما تنفسَ عن كافورهِ السفـطُ
غمائمٌ في نواحي الجو عالقـةٌ
حفلٌ تحدر منها وابـلٌ سبـطُ
بين السحابِ وبين الريحِ ملحمةٌ
معامعٌ وظبي في الجو تخترطُ
كأنه ساخطٌ يرضي على عجلٍ
فما يدومُ رضى منه ولا سخطُ

حمدونة بنت زياد
وهي تصف وادي الاشات
أباح الدمع أسراري بِوَادي
له للحسن أثار ب َوَادي
فمن نهر يطوف بكل روض
ومن روض يرف بكل وادي
ومن بين الضباء مهاة أنس
سبت لبي وقد ملكت فؤادي
لهــا لحـــظ ترقــده لأمــــر
وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سدلــت ذوائبها عليهــا
رأيت البدر في أفق السواد
كأن الصبح مات له شقيــق
فمن حزن تسربل بالســواد

يقول ابن حمديس في وصف بركة:
والبركة هي حوض الماء الذي كانت تزين به معظم باحات القصور الفخمة في الأندلس في ذلك الوقت الذي حكم فيه المسلمون الأندلس ، وكانت تلك البرك مزينة بتماثيل الأسود والعصافير التي تخرج من أفواهها المياه كـ(نوافير):
وضراغم سكنت عرين رياسه ......................... تركت خرير الماء فيه زئيرا
فكأنما غشى النضار جسومها....................... واذاب في افواهها البلورا
اسد كأن سكونها متحرك .............................في النفس لو وجدت هناك مثيرا
وتذكرت فتكاتهافكأنما ............................... اقعت على ادبارها لتثورا
وتخالها والشمس تجلو لونها.......................... نارا والسنتها اللواحس نورا
فكأنما سلت سيوف جداول ..............................ذابت بلانار فعدن غديرا
وكأنما نسج النسيم لمائه ................................درعا فقدر سردها تقديرا
وبديعه الثمرات تعبر نحوها .............................عيناي بحر عجائب مسجورا
شجريه ذهبيه نزعت الى ................................. سحر يؤثر في النهى تاثيرا
قد سرجت اغصانها فكانما ...........................قبضت بهن من الفضاء طيورا
وكانما ياتي لوقع طيرها .............................ان تستقل بنهضها وتطيرا
من كل واقعه ترى منقارها ...........................ماء كسلسال اللجين نميرا
خرس تعد من الفصاح فإن شدت .................. جعلت تغرد بالمياه صفيرا

أبرز أعلام الأدب الأندلسي

   

 إذا كان الأدب الأندلسي لم يعدُ أن يكون امتداداً لأدب المشارقة فإنه قد برز فيه مجموعة من الشعراء والأدباء تركوا أثراً بارزاً في الحياة الثقافية الأندلسية والعربية وبقيت أسماؤهم أعلاماً متميزة كابن هانئ وابن شهيد وابن خفاجة والمعتمد بن عباد ولسان الدين الخطيب.

آ- ابن هانئ:

علمٌ من أعلام الأدب الأندلسي، ولد في اشبيلية عام (326هـ) وتوفي مخموراً مقتولاً في المغرب العربي عام (362هـ) ولم يتجاوز السادسة والثلاثين .

كان ميالاً إلى اللهو والمجون والزندقة والتذهب بمذهب الفلاسفة، التقى ب حاكم اشبيلية فأكرمه، ولكن أهلها سخطوا عليه فأشار عليه أميرها بالنزوح لينسى خبره فهاجر إلى المغرب واتصل بجوهر الصقلي قائد المنصور الفاطمي وقرّبه المعز بن المنصور وطلب منه جوهر أن يلتحق بمصر، فوجد مقتولاً في اليوم التالي.

ويعد من شعراء الطبقة الأولى، ترسم خطا المتنبي وأكثر من وصف الجيوش والمعارك واعتمد على تغليب اللفظ على المعنى مشبهه المعري(برحىً تطحن القرون) ألفاظه فيها قعقعة، تكلّف الصنعة البديعية والتوشية في شعره واستعمل الجناس، ولم يصور البيئة الأندلسية بل لجأ إلى تقليد شعراء الجزيرة من ذلك قوله:

أما والجواري المنشآت التي سرت لقد ظهرتها عدّةٌ وعديد

قبابٌ كما تزجى القباب على المها ولكنّ من ضمّت عليه اسود

ومن ذلك قوله في المعز الدين الله الفاطمي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ فاحكم فأنت الواحد القهار

فكأنّما أنت النبي محمد وكأنّما أنصارك الأنصار

ومن رثائه قوله:

إنا وفي آمال أنفسنا طولٌ وفي أعمارنا قصرُ

لنرى بأعيننا مصارعنا لو كانت الألبابُ تعتبرُ

ب- ابن شهيد الولادة (382هـ):

ولد أحمد بن أبي مروان بن شهيد في أسرة شريفة في م دينة قرطبة، وقد كان كاتباً وشاعراً،طريف المعشر، يهوى النكتة والدعابة، ويحب مجالس الأنس قرّبه إليه حاكم قرطبة المؤتمن، كتب في المدح والوصف والغزل، له باع طويل في النثر فقد كتب رسائل عدة في الحلواء ورسالة في وصف البرد والنار وأهم رسائله (التوابع والزوابع) كتبتها على غرار رسالة الغفران للمعري وقد امتاز شعره ونثره ببراعة الأسلوب وسعة الاطلاع والميل إلى القصص والفكاهة و شاكل في شعره الجاحظ وابن المقفع، واتسم نثره بالسجع توفي عام (426هـ).

ج- المعتمد بن عباد:

أشهر ملوك الطوائف، والده المعتضد بالله ولد عام (431هـ) وتولى ملك اشبيلية عام (461هـ) استوزر ابن عباد الشاعر وأكرم الأدباء والعلماء وبلغ مكله إلى مرسية.

استنجد بيوسف بن تاشفين بعد أن هدده ألفونس السادس فدخل ابن تاشفين الأندلس وطرد القشتاليين وضم الأندلس إلى ملكه، وسجن المعتمد في سجن (أغمات) قرب مراكش.

توفي المعتمد في السجن عام (488هـ).

اتخذ الشعر أداة للتعبير عن مشاعره، فوصف الطبيعة والخمر والملاهي، وكتب في الغزل، وأحبّ المعتمد (اعتماد الرميكية) وتزوجها وعاش أيامه الأخيرة سجيناً في أغمات كما عاش أبو فراس سجيناً في ( خرشنة).

كانت أشفاره زافرات متقطعة من ذلك قوله:

غريبٌ بأرض المغربين أسير سيبكي عليه منبر وسرير


د- ابن خفاجة:

ولد ابراهيم في جزيرة (شُقر) البلنسية عام 454هـ.

وعاش في أيام ملوك الطوائف يمكن على اللهو وكتب شعراً ونثراً في المدح والرثاء والشكوى والوصف وأولع بجمال الطبيعة الأندلسية وقد شخّص هذه الطبيعة فأحالها إلى نفوس ذات إحساس تنطق وتشكو. من ذلك قوله في وصف الجبل:

وأرعن طماح الذؤابة باذخ يطاول أعنان السماء بغارب

وقورٌ على ظهر الفلاة كأنّه طوال الليالي مفكر في العواقب



وقد قلّد ابن خفاجة في نثره ابن العميد وبديع الزمان الهمذاني والتزم السجع والمحسنات اللفظية:

هـ- لسان الدين الخطيب:

ولد محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني في غرناطة (713هـ) وأكبّ على العلم وصاحب العلماء والأدباء فدرس اللغة والأدب والفلسفة والطب وعمل وزيراً لأبي الحجاج يوسف ملك غرناطة ثم لابنه.

اتهمه حسّاده بالزندقة، وقتل في سجن فاس ومن مؤلفاته (الاحاطة في تاريخ غرناطة) وفي (الحلل المرموقة) وكتاب ، (اللمحة البدرية في الدولة النصرية) وكتاب (ريحان ة الكتاب وبخعة المنتاب). وقد كتب في التصوف والموسيقا والطب وشغف بأسلوب المجاز والبديع ومال الزخرف في كلامه له ديوان شعر يحتوي موشحات منها:

جادك الغيث إذا الغيث هما يا زمان الوصل في الأندلس

لم يكن وصلك إلا حلماً في الكرى أو خلسة المختلس








لائحة اسماء الناجحين - بــحــــــث حــــــــــول الأدب الأنـدلــســـــي - هاااااااااااااااااام جدا
الطلبات والبحوث الدراسية|الأرشيف|الرئيسية


-----






--





palmoon tool bar
privacy policy